عبد الله بن محمد المالكي
439
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
عنا خيرا ، فقد انقطع عنا البق فما رأيناه من الوقت الذي / دعا فيه واصل » ؛ رحمه اللّه تعالى . وذكر سعدون أيضا ، قال : أردت الحج ، فمضيت إلى واصل الجمّي أودعه وأسأله الدعاء ، قال : فدخلت إليه فإذا عنده من البراغيث والبق أمر عظيم ، قال : فأقبلت أتحرك كلّما أكلوني ، وواصل جالس لا يتحرك ، فلما رأى قلقي قال : « يا سعدون ، ما لك ؟ » فأخبرته بما أصابني من ذلك ، فقال لي : « أتحسهم يا سعدون ؟ » فقلت له : « نعم » فقال : « يا سعدون ، عاذك في أبي جاد « 65 » ، ما أتى بك ؟ » فقلت له : « إني أردت التوجه إلى الحج ، فأتيت إليك لأودعك وتدعو لي » فقال لي : « وجمعت الدنانير يا سعدون ، دينارا على دينار ، حتى لزمتك « 66 » فريضة الحج ؟ لقد أكلت ، يا سعدون ، على هذا الحصير طعاما لم تمسه الأيدي . وما أخبرتك بهذا إلا لتعمل ! » . وذكر عن أبي محمد الجبي أن « 67 » واصلا خرج ليلة من المسجد ، فلما صارت إحدى رجليه خارج المسجد والأخرى داخله عرضت له فكرة ، فرفع رأسه إلى السماء وقال لنفسه : « أطاعته السّماوات والأرضون على عظمتهن ومن فيهن ، وعصيته أنت على صغرك وضعفك ! » ، قال ذلك يخاطب نفسه ، فبقي باهتا حينا طويلا حتى استغرق واسترخت يداه « 68 » وسقط مغشيا عليه ، وصادف رأسه الحائط فجرحه ، فبادر سكان القصر فحملوه وغسلوا الدم عنه وربطوا رأسه وهو في حاله ، رحمه اللّه تعالى . ولما حكى أبو الحسن « 69 » عن واصل قوله لسعدون : « لقد أكلت طعاما على هذا الحصير لم تمسه الأيدي . . . » قال له بعض من حضر : « لعله يريد الفواكه ، لأنها لم
--> ( 65 ) كذا في الأصل . وهي غير واضحة تماما وربما كان المقصود : إني عوذتك بأبي جاد وهي حروف أبجد . والمعروف ان لها خواصّ وأسرارا عند طلاب الطلاسم وأسرار الحروف . ينظر : مقدمة ابن خلدون ص 923 وما بعدها . ( 66 ) في الأصل : لزمك . ( 67 ) الخبر في المدارك 4 : 199 - 200 مسندا عن المالكي . ( 68 ) في الأصل : يده . ( 69 ) يرجح ان المراد هنا : أبو الحسن علي بن محمد بن الخلاف .